مدونة خواطرنا

اتحاد المغرب العربي و حلم الإندماج

| | | 0تعليقات


شكل الإعلان عن قيام اتحاد المغرب العربي في 17 فبراير 1989 بمراكش بارقة أمل لكل شعوب الدول الخمسة المكونة للإتحاد باعتباره أحد أهم المشاريع في المنطقة العربية و الإفريقية ككل و كان يعول عليه ليكون أحد أقوى و أنجح التكتلات الإقتصادية الإقليمية في العالم أسوة التكتلات الأخرى الناجحة و التي يسمع عنها العالم أجمع حاليا كالإتحاد الأوروبي و تكتل "الأسيان" لدول جنوب شرق آسيا إضافة للتكتل الإقتصادي لدول أمريكا الشمالية و المسمى اختصاراً " نافتا "... إلخ

مع الأسف لم يكتب لهذا المشروع أن ينجح على الأقل لحد كتابة هذه الأسطر و لم تسعد شعوب المنطقة  بجني الثمار العديدة التي كانت تنتظرها من هذا الإتحاد.. العديد من العوامل ساهمت في اغتيال أحلام هذه الشعوب و افشال هذا المشروع النهضوي لعل أبرزها نزاع الصحراء الغربية المغربية والصدام الجزائري المغربي حول الموضوع بدعم الطرف الجزائري قادة جبهة البوليزاريو الإنفصالية منذ سبعينيات القرن الماضي بعد استقلال الصحراء عن الإستعمار الإسباني.

كما لعب الإعلام القاصر دورا لا يمكن تجاهله في تأجيج هذا الصراع فأصبح كل طرف يكيل الإتهامات للطرف الآخر في نشرات الأخبار و البرامج الأخرى حتى أصبح المغربي يتوعد الجزائري و الجزائري يتوعد المغربي و كأنهما نسيا أنهما كانا إلى وقت قريب شعبا واحداً تجمع بينهما أواصر الأخوة الدينية و الجوار.

و لو اتحدت هذه الدول لشكلت وحدة اقتصادية سياسية مستقرة يصعب اختراقها أو المساس بها بالنظر إلى الإمكانات الطبيعية و البشرية الهائلة التي تتوفر عليها دول المغرب العربي بداية بالنفط و الغاز بليبيا و الجزائر ، مرورا بالموارد الفلاحية و السياحة المتطورة بكل من تونس و المغرب و ليس انتهاء بالثروات المعدنية الضخمة التي تزخر بها موريطانيا هذا دون أن نغفل عن الموقع الإستراتيجي الذي تشغله هذه البلدان على بعد كيلومترات قليلة عن أوروبا.

بالنظر إلى هذا كله أصبح لزاما على قادة كل الدول المغاربية أن يستشعروا حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم و على الشعوب أيضا أن تستفيق و ألا تبقى في موقف المتفرج فإذا استشعرت روح الأخوة و التآخي بينها فالمسألة حينذاك ستصبح أكثر سهولة و المسؤول أو القائد سيدرك أن وراءه شعب يتمنى التقدم و التنمية و اللذان لن يتأتيا إلا بالوحدة و التكامل.
تابع القراءة

الإصغاء إلى صوت الشيخ عبد السلام ياسين

| | | 0تعليقات


الإصغاء إلى صوت الشيخ عبد السلام ياسين*
طارق رمضان
نقله إلى العربية: الأستاذ شياظمي صلاح
عندما يرحل إنسان ملبيا نداء الواحد، فمن الضروري أخذ الوقت الكافي للتأمل في الحياة بشكل عام، ومعنى الحياة على وجه الخصوص وكذلك الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها، ومعاني التواضع، و الاعتدال و الحياء و الربانية والذكاء…كل هذه الخصال تنطبق خصوصا عندما يتعلق الأمر بمرجعية دينية كبيرة و بإمام مرشد، وزعيم تنظيم كبير ومفكر كان له  أثر كبير وعميق وهو الشيخ عبدالسلام ياسين رحمه الله.
في سن ال84 عاما  لبى المؤسس و الزعيم الروحي  لجماعة العدل و الإحسان نداء الله بعد حياة تغذت على الإيمان و التأمل و المقاومة و الشجاعة و التماسك… لقد دفع ثمنا غاليا في سبيل ذلك باعتقاله لسنوات تحت حكم الحسن الثاني جراء كتاباته وبياناته الموجهة للسلطات المغربية؛ والملك و النظام الملكي. وقد تحسن الوضع إلى حد ما مع وصول الملك محمد السادس، لكنه لم يتوقف من التذكير أن مال الشعب المغربي يجب أن يعود الى الشعب و لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا باحترام مبادئ الإسلام.
التحق الشيخ في وقت مبكر بإحدى الطرق الصوفية، لينبه إلى أن العمل السياسي وسيلة لا غاية. وكانت جماعته منظمة بإحكام و ملتزمة بالأنشطة التربوية )تلاوة، أوراد الذكر، قيام الليل… إلخ. (و ملتزمة بالإصلاح في مجالات التربية و التأطير والعدالة الاجتماعية على شاكلة رؤية وأولويات الإخوان المسلمين بين سنوات العشرين و الأربعين في مصر. لقد بقي التنظيم حازما و عنيدا في علاقاته مع النظام المغربي الذي يعتبره غاصبا و غير شرعي، حيث لم يدخر له أي انتقاد.
لم تقف انتقاداته عند مساءلة النظام المغربي و الأنظمة الخارجية و على رأسها فرنسا التي كرست تبعية المغرب لها اقتصاديا وسياسيا ولم يكن قط لينا أو متسامحا تجاه التنظيمات والأحزاب الإسلامية في عصره، بل  كان ينتقد سعيهم للحصول على الاعتراف والتقدير وهوسهم بالسلطة وقلبهم للوسائل و الغايات سواء تعلق الأمر بإسلاميي حزب العدالة و التنمية المغربي الحاكم أو بتطور الإخوان المسلمين بمصر أو التنظيمات الإسلامية في بلدان أخرى. لقد أصبحوا سياسيين أكثر من اللازم، وأقل تشبثا بمبادئ الإسلام ، حيث تدفعهم المصالح و التطلعات إلى المغامرة و نسيان الجوهر و فقدان المصداقية في نهاية المطاف.
لقد التزم في قلب جماعته بالاعتراف بأفضل مكانة للنساء ودورهن. وستكون كريمته أولى القيادات النسائية البارزة بل ستمتد رسالته إلى نطاق أوسع بشكل جلي. فالمغرب كان في أمس الحاجة إلى نساء مسلمات تلقين تربية منفتحة و مسؤولة. فلا يوجد في الإسلام ما يمنع المرأة أن تكون  ربانية ومثقفة و مناضلة و قائدة في آن واحد مادامت تتمسك بتعاليم دينها. لقد كتب الشيخ عن كل هذا وحاول ما أمكن أن يقوم بتفعيله داخل جماعته مع بعض الصعوبات في بعض الأحيان.
لقد كان للعدل و الإحسان من بين جميع الحركات الإسلامية الحالية وضع خاص. برفضه للمشاركة في الحكم، كان صوت الشيخ عبد السلام ياسين يجمع بين الروحية و التماسك، و الشفافية و عدم الانزلاق السياسي. خلال زيارتي الأخيرة لبيته قبل بضع سنوات، كان لا يزال وفيا لرؤيته و مبادئه و مواقفه وآماله. كان يفرض احترامه من شدة هيبته، و كان يشع نورا، جالسا بكل تواضع؛ متأملا و مبتسما. لن أنس ذلك أبدا! رحمه الله.
لقد كان رجل القلب؛ رجل الربانية و الجرأة. و كان رجلا إنسانيا بقوته و فهمه ووجهات نظره. كنت دائما أقدر تواضعه و نزاهته  رغم أنه كان من الصعب في بعض الأحيان التعامل مع بعض أنصاره الذين كانوا يميلون إلى المثالية المفرطة و يزدرون كل من يخالف الشيخ. يجب أن نتذكر أن القرآن يذكرنا باستمرار أنه حتى الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن سوى إنسانا، فكيف بنا نرى في بعض الأحيان أعضاء من بعض التنظيمات (إسلامية أو لا) يمجدون زعيمهم أو قائدهم  إلى درجة  قد يبدو فيها أن هذا التنظيم ليس قائما إلا على  عبادة هذا الشخص أو ذاك. و لم يُستثن بعض أعضاء جماعة العدل والإحسان من هذه الفتنة و هذا الوضع غير السليم و المخالف لجوهر التعاليم الروحية. وكان الشيخ عبد السلام ياسين حريصا على عدم تشجيع هذه المواقف حيث كان يظهر دائما بشكل بسيط، و متواضع و معتدل.
لقد فقد المغرب وجها بارزا  ترك بصمته في عصره. على الرغم من أن الوضع السياسي في المغرب كان ، ولا يزال، أفضل بكثير من الدول المجاورة من حيث الحقوق والحريات، تظل الحقيقة أن دعوته لإصلاح البلاد لا تزال موضوع الساعة. إن الرفع من جودة التعليم ، ورفض استعمار العقول ، ووضع حد للفساد ، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمضي قدما نحو مزيد من الانفتاح السياسي والاقتصادي هي التحديات التي تواجه المغرب. و تعتبر حاليا إعادة الصلة بالجذور الروحية و المبادئ الأخلاقية و الثقافة  بمثابة الأولويات بالنسبة للمغرب. ويبقى صوت  الشيخ عبدالسلام ياسين صوت الشفافية و الشجاعة الذي يجب أن ننصت إليه بكل تمعن. يمكن أن نختلف مع الشيخ في بعض وجهات النظر، وفي اتخاذ بعض المواقف أو في تأويل بعض النصوص الدينية، لكن لا يمكن ألا نعترف في نهاية المطاف بكرامة و عظمة هذا الرجل، حيث لم يستطع أحد أن يُركعه و هو الذي وهب حياته  من أجل هدفه المثالي : تحقيق العبودية لله و إصلاح النفس و المجتمع.
ندعو الله له مع عميق تقديرنا له أن يتقبله في رحمته و يرحمه رحمة واسعة، آمين.

منقول من موقع الدكتور طارق رمضان.
المصدر :  http://tinyurl.com/njncsgr
تابع القراءة

جميع الحقوق محفوظة ©2013